القاضي عبد الجبار الهمذاني

57

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد ، فإن السمع قد نبه على ما ذكرناه لأنه أبان في الصلاة أنها تجب لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فبين وجه اللطف فيها ، وأبان في شرب الخمر أنه يقبح لما فيه من الصد عن ذكر اللّه ، فبين وجه كونه لطفا في القبيح . فإذا كان وجه وجوب أحدهما وقبح الآخر قد نبه السمع عليه - وطريق ذلك السمع - فلا وجه لمخالفة من خالف فيه . وسائر ما ذكرناه في وجوب الصلاة لأنها مصلحة يدل على ما ذكرناه في شرب الخمر ، وأن وجه قبحه أنه مفسدة . وما دللنا به على أن ترك الصلاة لا يقبح إلا لكونه تركا للواجب فقط ، يدل على أن ترك شرب الخمر لا يجب - لو وجب - إلا لأنه قبيح . فإن قال : فما قولكم في هذين التركين ، أتقولون إن أحدهما يجب والآخر يقبح ، أم لا ؟ / قيل له : كل فعل ( « 1 » ) مفارقة شرب الخمر إلا بفعل يفعله ، فهو واجب عليه . فإذا أمكنه ذلك من دون فعل فلا دليل يدل على وجوب فعل عليه . ومن قال إنه واجب والحال هذه ، فهو مثبت لوجوب فعل من غير دليل . وكذلك القول في الصلاة ؛ لأنه إذا لم يمكنه الإقدام عليها إلا بمفارقة فعل ، أو لم يفعلها لفعله ، فكذلك الفعل القبيح لا محالة . فأما على خلاف هذا الوجه فلا دليل عليه . فإن قال : قولوا إن الدليل على ذلك إجماعهم على أن ترك الصلاة لا يكون إلا قبيحا ، فإنه يجب على المكلف ترك شرب الخمر ، ولا دليل في السمع أقوى من الإجماع .

--> ( 1 ) مطموس .